أحمد بن ابراهيم النقشبندي

26

شرح الحكم الغوثية

فهاج المجلس ، وضجوا وما زال طائرا منها يصفّق بجناحيه حتى سقط ميتّا ، ومات رجل من الحاضرين ، قلت : والأبيات أصلهم للإمام ذو النون المصري . يحكى عنه : إنه سأله رجل : ما الذي أنصب العباد وأضناهم ؟ قال له : ذكر المقام وقلّة الزاد ، وخوف الحساب ، ثم قال : ولم لا تذوب أبدان العاملين ، وتذهل عقولهم ، والعرض على اللّه أمامهم ، وقراءة كتبهم بين أيديهم ، والملائكة وقوف بين يدي الجبار ينتظرون أمره في الأخيار والأشرار ؟ ثم قال : مثّلوا هذا في نفوسكم ، واجعلوه نصب أعينكم ، ثم أنشد الأبيات المتقدّمة ، ولذي النون في مثل هذا كثير . ويحكى عن أبي على حسن بن محمد الغافقي الصوّاف قال : حدثني أبو مدين قال : صلّيت مع عمر الصباغ المغرب ، فلما سلّمنا قال لي : رأيت وأنا في الصلاة ثلاثا من الحور أو أربعا ، وهن يتبخترنّ في ركن البيت ، فقلت له : أعد صلاتك فإن المصلي يناجي ربه ، وأنت إنما ناجيت الحور العين ، قلت : أراد أن ينقله إلى مقام أعلى من مقامه ، وأدّبه بقوله أعد صلاتك ؛ لأن كل شيء من دون اللّه من سائر المقامات حجاب حتى لا يقف مع شيء ولا يسكن إلى شيء . وقد حكى عن أبي يزيد أنه كوشف بأربعين حورا أحسن ما يكن ، ثم قيل له : انظر إليهنّ ، فلما نظر إليهن حجب عن مقامه أربعين يوما بقدر عددهن ؛ تأديبا له ، ثم بعد ذلك كوشف بثمانين فوقهن في الجمال ، فقيل له : انظر إليهنّ ، فغمّض عينيه وسجد ، وقال : لا حاجة لي بهن دون اللّه . اللهمّ إني أعوذ بك مما سواك ، وما زال يبكي يتضرّع ، وهو ساجد إلى أن حجبنّ عنه ، فحينئذ رفع رأسه ، وله في ذلك مشاهد ومواقف شهيرة وكان الشيخ أبو مدين رضي الله عنه مع اتساعه في المعارف والعلوم اللدنية يحرّض أصحابه على السلوك بكل وجه أمكنه ، ويحضّهم بكل إشارة وكل لطيفة . يحكى عنه : إنه كان يوما في مسجده الخاص بأصحابه أهل الذوق والمعارف ، وهو يفيض عليهم على عادته في تلك الحقائق ، ويأتيهم بكل عجيبة تدل على القرب ، وكل غريبة من أوصاف أهل الحب .